سيد عباس بن علي بن نور الدين الحسيني الموسوي المكي
394
نزهة الجليس ومنية الأديب الأنيس
من كلامهم : اقلل المعارف فإنها اسلم لدينك وقلبك وأخف لسقوط الحقوق عنك لأنك كلما كثرت المعارف كثرت الحقوق وعسر عليك القيام بالجميع . ومن كلامهم انكر من تعرف ولا تتعرف إلى من لا تعرف . وقال الامام الغزالي في الاحياء : حكى انه كان ببعض البادية فريقان بعضهم قريب من الآخر فأقام بهما بعض الكلاب مدة وتألف بهما فاتفق ان رحل فريق وأقام الأخر فتبع الكلب ذلك الفريق الذي رحل إلى أن غاب عنه الفريق الثاني الذي أقام فصاح حولهم وتألم من شدة الفراق ولم يعلم منه ذلك لأنهم رحلوا عن ذلك المحل فرجع إلى الفريق الثاني ليقيم به فتذكر أصحابه فلم يجدهم ففعل مثل ما فعل بالأول وكان يرّحلهم ويلحق بالفريق الأول فلم يفهم منه ذلك لأنهم مقيمون محلهم فرجع على أثره ولحق بالركب وصاح بهم ولا زال يفعل ذلك حتى خرجت نفسه من شدة ما صنع من التردد بين الفريقين فمر رجل ووجد الناس حوله متعجبين من فعله فقال لهم ما هذا فقصوا عليه القصة فقال لهم وما كان يقول هذا الكلب في صياحه قالوا لا علم لنا بذلك فقال إنه كان يقول وانشد هذين البيتين : إذا كان لي أهلان أهل ترحلوا * وأهل أقاموا اى أهلي أتبع أقام الذي لا أستطيع فراقهم * وسار الذي قلبي لديهم مودع قلت : يا هل ترى بأي الاهلين كانت وفاته أم كانت بينهما في الطريق فان الظاهر أن شغفه والفه بهما سواء هكذا من يجعل اللّه فيه أهلية ثمر المعروف وحق الألفة والمحبة ولعمري ان هذا الكلب أحسن من كثير من الناس خصوصا في زماننا هذا في هذه الخصلة فلهذا قال علماء الطريقة لا يكمل المريد حتى يكون فيه جمل من خصال الكلب منها حفظ المعروف وسرعة الألفة وعدم رؤية النفس وأمانتها وغير ذلك وقد عد منها الامام الغزالي في كتابه الاحياء جملة فلتنظر ثمة . قلت : ومما يناسبها ما حكاه ابن الجوزي في كتاب الأذكياء ان بعض الناس مر بمقبرة فإذا قبر عليه قبة مكتوب عليها هذا قبر كلب فمن أحب ان يعلم خبره